سكان تيتان – صفحة من مذكرات شخص يعيش في المستقبل “خيال علمي”

 

ما أجمل النجوم….

خصوصا هذا النجم الساطع الذي لا أراه كثيرا.. الشمس، ليتني أستطيع أن أراه بدون هذه القبة الزجاجية السميكة.. الأطفال لا يعرفون أن هناك قبة زجاجية تحيط بالمدينة، هي شفافة الى حد لا بأس به وتسمح لك بتأمل السماء ومصنوعة من أجود الأنواع، بعض المدن التي زرتها من خلال الأنفاق التيتانية كان زجاج قببها أقل شفافية.. أعرف، قد يقول لك العمدة أن هذا يوفر الطاقة، ويجعل إنارة المدينة أسهل..هراء، كلنا نعرف أن تيتان هو بحر من الوقود!! يريد أن يختلس من المال العام ما شاء له، فساد لا يهتم أحد بالكلام عنه! جدتي تقول أن جدتها أخبرتها أن أجدادنا جاؤوا من كوكب آخر كانت الفتن والحروب تكثر فيه لقلة مصادر الطاقة! كوكب كان الناس لا يعتمدون فيه على الكهرباء أو حرق الوقود وحسب لإنارة حياتهم، لأنه بحسب زعمهن كان هذا الكوكب قريبا من أحد النجوم بحيث أن هذا النجم كان ينير المدينة كلها لعدة ساعات في اليوم الواحد!! هل تستطيع أن تتخيل هذا؟ درسنا هذا الكلام أيضا في المدرسة، لكننا كنا نفضل سماع هذه القصص من جداتنا على سماعها من المدارس، الجدات يتكلمن عن سماء مفتوحة كان الناس يسافرون عبرها أكثر مما يتنقلون في الأنفاق، يذكرن قصة رجل سافر ذات مرة في بطن سمكة! وعن آخر سحب ضلعا من صدره بجانب قلبه فتحول إلى امرأة وأنه بهذه الطريقة وجد الجنس الآخر، إذن  كيف كان الرجال يتكاثرون قبل أن توجد النساء؟ الأطفال لا يسألون هذه الأسئلة! هم يستمعون الى القصص ويستمتعون بها وحسب، وقصص الجدات على كل حال تثير خيالهم أكثر مما يتعلمونه في المدرسة، مدينتي غنية الى حد ما لذلك تتقاعد الأمهات مبكرا وتسلين الأطفال بالقصص، التقدم العلمي الذي وصلنا له قد يسمح بقدر أكبر من الرخاء بحيث لا تحتاج إلى العمل أو تعمل لساعات قليلة جدا في اليوم، أقول.. لولا الظروف الصعبة التي يعاني منها كوكبنا..الربوتات تقوم بكل شيء، وهي مصممة بحيث تعمل في العراء خارج المدن حتى ليندر أن يحتاج النساء أو الرجال للخروج لأداء مهمة ما.. تبدو مدننا لو تخيلت نفسك قمرا آخر يدور بجوارنا كأنها فقاقيع على سطح كوب من الصودا، البرد في الخارج مازال قارصا، السماء سترجمك من وقت لآخر بأحد هذه الأحجار التي تدور حول زحل ولن يشفع لك حسن خلقك، جاذبية زحل الهائلة ستأسرك – حرفيا- مهما ادعيت أنك لا تهتم بالجمال المادي! هذه السجون التي بنيناها حولنا لتحمينا واستغلال الموارد المتاحة في بيئة هذا الجرم كلفانا الكثير الكثير..  هناك خوف مكبوت ألاحظه عند الأجيال الأكبر سنا، أحسست به عند أمي، لكنه أوضح عند أمها وأوضح عند جدتها.. لكن حذار أن تشير أو حتى تلمح لهن أنك لاحظته، يبدو لي أنها لم تكن تجربة سهلة لدى أفراد الجنس البشري الذين شدوا الرحال الى هذا الكوكب بعد أن جفت الأرض وقتلت موجات الحرارة الملايين بحسب كتب التاريخ!! تلك الذكرى ستظل تؤرق الخيال الجمعي لهذا العالم الجديد لأجيال..لم يستغرق الإعداد لتلك الرحلة زمنا طويلا، خمسون عاما فقط! كانت رحلة مفاجئة وارتجالية، على عدة دفعات، في البداية لم يوافق كثيرون على الرحيل، وركزت وسائل الإعلام على ظروف الحياة السيئة والأمراض الغريبة التي ظهرت في صفوف الرواد الأوائل في ذلك الكوكب الغريب، سكان البلاد الاستوائية التي أصبحت درجة الحرارة فيها مرتفعة إلى حد أن بدأت تقتل لم يعودوا يحصلون على حق اللجوء إلى الشمال حيث حرارة الجو بقيت محتملة، واضطروا إلى قبول العرض الذي يسمح لهم بالهرب إلى الفضاء مع الحد الأدنى من الأمتعة، كحيوانات تجارب سوف تستفيد من العرض لو نجحت التجربة ولن تخسر فيما لو فشلت أكثر مما ستخسره لو أنها لم تدخل في التجربة، حياتها!! رفض الكثير منهم العرض لأسباب دينية وفضل أن يموت في وطنه. أما خلال آخر السنوات العجاف تلك، فقد تزاحمت الجماهير أمام مكاتب التسجيل لطلب الهجرة إلى ذلك الكوكب البعيد، الذي لم يسمع عنه أحد تقريبا إلا في الآونة الأخيرة، وأصبحت هناك أحداث عنف، اضطرت الحكومات للكذب وادعاء وجود عدد من سفن الفضاء أكثر من العدد المتوفر الحقيقي، خفض سعر التذكرة ليكون في متناول الجميع بشرط أن تنتظر لفترة أطول كي تحصل عليها، طبعا كانت تذكرة وهمية لأن التذاكر الحقيقية لم تعد تباع إلا سرا.. ارتفعت أسعار وسائل وأجهزة التكييف والتبريد الفعالة بصورة خيالية، وأصبحت هذه تتلف بسرعة أو تقل كفاءتها، المهاجرون من المناطق الاستوائية كانوا أقدر على التكيف والتحمل، وأقل اهتماما وأكثر تطيرا بشأن الهجرة إلى الفضاء إلا من كان منهم على قدر عال من التعليم، هناك دول صنعت سفنها الفضائية الخاصة ولم يتح لها تجربتها أو مراجعتها لفترة كافية قبل إرسالها، وبالتالي فقد دعت مواطنيها الفقراء والمعدمين للرحيل في تلك السفن لتتخلص من صخبهم وشكواهم، وقد ذهب هؤلاء برضى ودعة كأنهم يستلقون طائرة، حدثت تلك التجارب سرا، ولم يعلم أحد أو يهتم إن كانت نجحت أم لا.. أو إن كان ذلك قد حدث فعلا أو كان وليد مخيلة الناجين المرتبكة المصدومة.. لحسن الحظ فقد كانت هناك مدينة صغيرة مبنية تحت قبة من الزجاج المدرع لغرض البحث العلمي، وذلك قبل أن تتضح بوادر الكارثة الأرضية، التي ما أن وصلت أخبارها للعلماء المقيمين هناك حتى بدؤوا يضغطون لبناء مدن أخرى بنفس التصميم المحفوظ لديهم، مع توصيات لإجراء تحسينات على المدن الجديدة أو لتخفيض تكاليف بنائها، مقدمين تارة تهديدات بالاستقالة ما لم يتح بناء أماكن كافية لضم عائلاتهم وأقاربهم إليهم وطورا إغراءات بالمكاسب المادية التي ستعود على الحكومات أو الأفراد الأثرياء للاستثمار في الفضاء! بالإضافة إلى شوق هؤلاء العلماء إلى أهاليهم وحاجتهم للصحبة فقد كانوا قلقين بشأن مستقبل سكان الأرض خائفين من فقد أحبائهم، يدركون الخطر أكثر من أولئك الذين يجاورونه، والذين بدؤوا يعيشونه، مع أن الأخبار.. أخبار الأرض، وما تبثه القنوات الأرضية كانت تصلهم متأخرة كثيرا، ذلك أن الضوء نفسه كان يحتاج مدة لا بأس بها من الزمن ليسافر من الأرض الى تيتان، إن لم يصطدم بزحل طبعا!!    أعتقد أن هذا ليس عادلا..! أن تجبر الطفل أن يردد وراءك أن أجداده كانوا يوما يعيشون في عالم تنيره النجوم بدل الكهرباء!! هذا يشبه أن تخبرهم بأنك تستطيع أن تعالج السرطان بالزنجبيل!! والمشكلة الحقيقية هي أن أستاذ التاريخ لا يعرف ما الذي يقوله أستاذ العلوم والعكس، أتحدى إذا جلسا معا أن يفهم أحدهما ما يقوله الآخر! لكن هذا على كل حال هو رأيي الشخصي، صديقاتي يسألنني هل سيغير هذا الفهم شيئا أو يفيدهم أو يضرهم؟ هل سيجعلهم أكثر سعادة مثلا؟  لكن ربما كنت أنا أنانية بعض الشيء .. أريد أن أتكلم مع أشخاص يفهمون فعلا ما أقوله حين يهزون رؤوسهم متابعين لما أقوله خلال حديثي معهم، وليس فقط مسلمين بصحته لأنهم تعلموه في المدرسة! لا أعرف كثيرين لديهم هواية الاستلقاء على سطح مرتفع وتأمل السماء من خلال القبة الزجاجية للمدينة، ناهيك عن كون بعض قباب المدن، كما سبق وأخبرتك ليست شفافة بما يكفي لترى شيئا خارجها، مظهرها ممل وباهت حتى أن أحدا في المدينة لا يرفع رأسه أبدا ليرى كيف يبدو فوق! المزيد